ابن الأثير
156
الكامل في التاريخ
ومائة ، فانقمع الشرّ ، وضبط الأمر ، وسيّر تمّاما ، وكلّ من يتوثّب على الولاة ، إلى الرشيد ، فسكنت البلاد ، وابتنى مدينة سمّاها العبّاسيّة بقرب القيروان ، وانتقل إليها بأهله وعبيده . وخرج عليه ، سنة ستّ وثمانين ومائة ، رجل من أبناء العرب بمدينة تونس ، اسمه حمديس ، فنزع السواد ، وكثر جمعه ، فبعث إليه ابن الأغلب عمران بن مخلد في عساكر كثيرة ، وأمره أن لا يبقى على أحد منهم إن ظفر بهم . فسار عمران ، والتقوا واقتتلوا ، وصار أصحاب حمديس يقولون : بغداذ ! بغداذ ! وصبر الفريقان ، فانهزم حمديس ومن معه ، وأخذهم السيف ، فقتل منهم عشرة آلاف رجل ، ودخل عمران تونس . ثمّ بلغ ابن الأغلب أنّ إدريس بن إدريس العلويّ قد كثر جمعه بأقاصي المغرب ، فأراد قصده ، فنهاه أصحابه وقالوا : اتركه ما ترك ، فأعمل الحيلة ، وكاتب القيّم بأمره من المغاربة ، واسمه بهلول بن عبد الواحد ، وأهدى إليه ، ولم يزل به حتى فارق إدريس وأطاع إبراهيم ، وتفرّق جمع إدريس ، فكتب إلى إبراهيم يستعطفه ، ويسأله الكفّ عن ناحيته ، ويذكر له قرابته من رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فكفّ عنه . ثمّ إنّ عمران بن مخلد ، المقدّم ذكره ، وكان من بطانة إبراهيم بن الأغلب ، وينزل معه في قصره ، ركب يوما مع إبراهيم وجعل يحدّثه ، فلم يفهم من حديثه شيئا لاشتغال قلبه بمهمّ كان له ، فاستعاد الحديث من عمران فغضب وفارق إبراهيم ، وجمع جمعا كثيرا ، وثار عليه ، فنزل بين القيروان والعبّاسيّة ، وصارت القيروان وأكثر بلاد إفريقية معه . فخندق إبراهيم على العبّاسيّة ، وامتنع فيها ، ودامت الحرب بينهما سنة كاملة ، فسمع الرشيد الخبر ، فأنفذ إلى إبراهيم خزانة مال ، فلمّا صارت إليه الأموال أمر مناديا ينادي : من كان من جند أمير المؤمنين فليحضر لأخذ